Monday, 18 December 2017
الخامسة عصراً

دقّت ساعة الشاي



ذات يوم، وكانت الساعة الرابعة عصرًا، شعرت “آنّــا” بالجوع والتعب ولن تستطيع أن تأكل قبل الثامنة مساءً، على عادة البريطانيين ألّا يتناولوا إلّا وجبتيْن فقط: الإفطار صباحًا، والعشاء في الثامنة مساءً. طلبت من خادمتها أن تأتي سرّاً إلى غرفتها ومعها إبريق شاي وبضعة سندويشات وبضع قطع حلوى.


جرت هذه القصّة سنة 1840. بطَلَتُها آنّــا ماريّــا ستانهوب (1783-1857) دوقة بِدفورد.
لاحقاً أخذت الدوقة تدعو بعض الأصدقاء لمشاركتها وجبتها الخفيفة في غرفتها من قصر ويبرن آبي الصيفي يوميًّا عند الخامسة عصراً. وحين عادت آخر الصيف إلى لندن استمرت على العادة ذاتها فأخذت تدعو أصدقاءَها ببطاقات إلى تناول “الشاي والمشي في الحقول”.
أعجبت الفكرةُ أصحاب الطبقات الإجتماعية الراقية فجعلُوها تقليدًا اتّخذ مع الوقت مكانة رفيعة. وأصبح معظم أفراد المجتمع الراقي يتناولون وجبات خفيفة بعد الظهر مع الشاي المقدَّم في إبريق فاخر مع طقم خاص به من صحون وكؤوس. وجعلت الفنادق تقدّم أحيانًا “شاي آخر النهار” مُترافقاً مع تشكيلة سندويشات خفيفة وكعك وحلويات.
عادة شرب الشاي ترقى إلى الألف الثالث قبل الميلاد في الصين. عرفتها أوروبا في القرن السابع عشر وأولعت بها فرنسا فراحت الطبقات الأرستقراطية الفرنسية تتناوله بكثرة، وكان الملك لويس السادس عشر يعتقد أن شرب الشاي يساعده في التغلّب على مرض النقرس (داء تجلُّط الدمّ في أصابع القدم).


في إنكلترا بدأت عادة شرب الشاي مع زواج الملك تشارلز الثاني من الأميرة كاثرين البرتغالية (16٦٢) وهو ترافق مع منْح البرتغال إنكلترا حقّ إستخدام موانئها في مستعمراتها الأفريقية والآسيوية، ودخل الشاي إنكلترا عبر الطرق التجارية الجديدة. مع نهاية القرن السابع عشر بات الشاي مشروب إنكلترا الوطني.
ترسيخ تناول الشاي عند الخامسة عصر كُل يوم، كأحد التقاليد للشعب الإنكليزي يعود فضله من بادرة الدوقة آنَّا بداية القرن التاسع عشر. ومع الثورة الصناعية إنتشرت هذه العادة في بريطانيا مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر بسبب المكننة وانتشار المصانع وتأثيرها على الحياة الإجتماعية في بريطانيا قبل غيرها من دول أوروبا، إذ راح أبناء الطبقة العاملة المتعبون من المصانع يتناولون الشاي عند الخامسة وجبةَ عشاء مبكرة.
وكان التقليد أن يتمّ تخمير الشاي السائب في إبريق شاي ويُقدَّم مع الحليب والسكّر. فمزيج السكّر والكافيين يمنع ركود العمّــال الفقراء بعد الظهر خاصة وأنّ عملهم يتطلّب جهدًا بدنيًا كبيراً. وكان هؤلاء العمّال يتناولون وجبة الشاي على طاولة عالية، ومن هنا تسمية (High Tea).
بالنسبة للطبقات العليا والأرستقراطية فإن تتناول “وجبة الشاي”، كان كما اقتبسوها عن الفرنسيين، أي مع حليب وكعك وسندويشات وحلويات كانت تُقدّم على طاولة واطئة في غرفة الإستقبال، ومن هنا تسمية (Low Tea). وانتشرت هذه العادة عند الطبقات المتوسطة وإن كان الشاي يقدّم في أباريق عاديّــة ويترافق مع بعض الكعك أو البسكويت.
ومع الوقت طرأ تغيير على الوجبة، وبدل الشاي والخبز مع الزبدة والكعك الخفيف باتت تتكوّن من أطباق سندويشات ومقبّــلات. وغالبًا ما يتم تقديم الطعام في الفنادق والمقاهي على صينية من طبقات، فيها شطائر وخبز وكعك بالزبدة أو السمن النباتي ومربّــيات اختيارية وخبز محمّص وكعكة صغيرة.
فما رأيك الآن بكوب شاي؟
* نشأة الشاي الأولى
تمّ اكتشاف الشاي سنة 2737 قبل الميلاد أيام الأمبراطور الصيني شين تنغ. لم يكن تنغ يشرب الماء إلا مغلّياً، حتى كان يومٌ كان فيه يغلي الماء في الهواء الطلق، فسقطت في وعاء الماء المغليّ أوراق من شجرة فوقه صبغت الماء بلون الشاي كما نعرفه اليوم. ذاق الماء الملوّن فأحبّ طعمه اللذيذ وفعله المنعش فأخذ يعتني بشجرته التي كانت تنمو في كل البلاد.
ومن يومها عـمّـم الشراب على أصدقائه ومعارفه فلاقى رواجاً واسعًا، وجعل الناس يشربونه ويتداولونه، ثم نقلوه الى اليابان للإتجار به، ثم نقله التجّــار الهولّنديون من اليابان الى أوروبا الغربية. وسنة1660 نظّمت شركات في الهند الشرقية تجارة نقله من الهند الى أوروبا وآسيا عبر البحار. وكانت زراعته منتشرة في الصين كما في التيبت والهند. والى الشاي العادي انتشرت في اليابان تجارة شاي أخضر يُشبه الأول إنما لم يلاقِ رواج الشاي العادي.
هكذا أصبح الشاي مادّة معروفة ومشهورة، واعتبر شراباً فاخراً يتناوله الناس في الوجبات اليومية إلى موائد الطعام ويتم تقديمه للضيوف والزوّار في المناسبات، وتبقى بريطانيا أكثر الدول إستخداماً إيّــاه إذ يشرب منه الفرد نحو سبع كاسات يومياً.